انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني
✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية
يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني.
شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة».
أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان الأصليين من العاصمة تحت ذرائع واهية، إلى جانب حرمان مناطق بأكملها من التعليم — تجسّد ذلك بوضوح في نتائج الشهادة السودانية هذا العام، التي كشفت عن عنصرية ممنهجة في توزيع الفرص التعليمية.
بل وصل الأمر إلى الابتزاز والتحرش بالنساء في مواقع العمل، وإجبار بعضهن على ممارسات لا أخلاقية، في ظل غياب القانون، وصمت مؤسسات الدولة. كل هذه الوقائع ليست معزولة، بل تمثل امتدادًا لسبعة عقودٍ من الممارسات العنصرية التي رسّخت ثقافة التمييز والاضطهاد حتى أصبح القتل والتنكيل لدى بعضهم أمرًا مألوفًا ومبررًا.
إننا نوجّه نداءً عاجلًا إلى الضمير الحي — في السودان والعالم: إلى المنظمات الحقوقية، والمؤسسات الدولية، والحكومات المسؤولة، أن تتحرك فورًا لحماية المدنيين السودانيين وصون حقوقهم الأساسية. استمرار الوضع الراهن يعني مزيدًا من الدماء والانقسام والانهيار الاجتماعي، وهو خطر لا يهدد السودان وحده، بل يهدد استقرار الإقليم الأفريقي بأسره.
من هنا نداءنا للفاعلين في العمل المدني وبخاصة الدول الأفريقية والإقليمية، بالتحرك العاجل للضغط على الجهات التي تموّل وتدعم سياسات التمييز والإقصاء، والعمل على وقف تسليحها وتمويلها. وتوفير حماية إنسانية وقانونية عاجلة للمدنيين المعرضين للترحيل القسري والاعتقال التعسفي.
إن الحل لا يكمن في مزيد من الإقصاء، بل في مصالحة وطنية شاملة تعيد الثقة بين مكوّنات المجتمع، وتمنح كل السودانيين مواطنة حقيقية قائمة على المساواة والعدالة. ولابد الإعلام الحر والمجتمع المدني السوداني على توثيق الحقائق ونشرها بشجاعة. فالصمت عن الظلم تواطؤ معه، والحق لا ينتصر إلا بالوضوح والمجاهرة.
إن مستقبل السودان لن يُبنى إلا على قيم مشتركة من المساواة والكرامة الإنسانية وسيادة القانون. وكل محاولة لإبقاء الناس ممزقين على أسس قبلية أو جهوية أو عنصرية، إنما هي خيانة لمصير هذا الوطن الكبير.
فلنعمل جميعًا — شعوبًا، ومنظمات، وكيانات سياسية — على اجتثاث هذه الطغمة المجرمة، حمايةً لأرواحنا وسلامة مجتمعنا، وإعادة بناء سودانٍ موحّد، كريم، وآمن لكل أبنائه.
تعليقات