خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟
يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة.
كما جاء في ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن.
ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد.
أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبلية” ذات الامتداد العربي، مستندًا إلى سردية قديمة تربط الأصالة الحصرية بالانتماء للهوية كانت مفروضة على السودانيين من قبل الأنظمة حكمت السودان منذ الاستقلال .
غير أن المتأمل في ملامحه نفسها يجد أنها نتاج طبيعي للتزاوج التاريخي المعروف بين العرب والشعوب الأصيلة التي سكنت تلك المناطق منذ آلاف السنين. الحقيقة لا تحتاج كبير عناء. لكن السؤال الجوهري يبقى: لماذا اختار الفاضل منصور هذا المسار؟
الإجابة تكمن في أن الفاضل منصور، مثل كثيرين، هو ابنٌ لذلك الخطاب الذي روّجت له الأنظمة المتعاقبة منذ استقلال السودان، والتي فرضت هوية عربية أحادية، وزوّرت عبر سرديات رسمية تاريخ السودان المتنوع، محاولةً محو الشعوب الأصلية وطمس حقائقها وثقافاتها.
بالتالي، يصبح الفاضل منصور مجرد انعكاس ــ وربما ضحية ــ لذلك الخطاب الواهم الذي صاغته دولة 56.
والمفارقة أنه يزعم محاربة تلك الأنظمة، بينما يتبنّى جوهر خطابها في إنكار الشعوب الأصيلة.
الأدهى من ذلك أنّ الفاضل منصور خلط بين انحيازاته الشخصية والقَبَلية وبين القضايا الوطنية الكبرى، خاصة في حديثه عن الدعم السريع. فقد حاول إنكار نضالات الشعوب السودانية التي نص عليها الدستور الانتقالي لحكومة التأسيس التي يشارك هو نفسه في مؤتمراتها.
أم أن الدافع الحقيقي هو الانتماء القَبَلي ورؤيته للدعم السريع بوصفه “أهله”، مما جعله ينحاز وفق رابطة الدم لا وفق مبادئ يدّعي الدفاع عنها؟
عدم اعتذار الفاضل منصور عمّا بدر منه مثّل الطامة الكبرى. فقد تمسّك بالمكابرة، في مشهد يذكّر بموقف نافع علي نافع عندما رفض الاعتذار لشعب جنوب السودان رغم مطالبات باقان أموم، وراح يرفع صوته بدل أن يراجع نفسه.
اليوم يكرر الفاضل منصور ذات السلوك:
يدّعي شيئًا… ويمارس نقيضه تمامًا.
إن أراد الفاضل منصور أن يكون جزءًا من مشروع سودان جديد قائم على الاعتراف والمساواة والعدالة، فعليه أن يبدأ بمراجعة نفسه وخطابه.
فالحقائق لا تزول بإنكارها، والأصالة ليست وراثة كلامية، بل موقف أخلاقي من الحقيقة وصِدقٌ مع الذات.
آدم بركة دفع الله
تعليقات