التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

مشاركة مميزة

*في زمن العتمة.. كان المعلمون يزرعون الضوء* لقد كانت

 الحرب في السودان ذات تداعيات كبيرة على جميع السودانيين؛ فقد أزهقت أرواح، وتشردت أسر، وتفاقمت معاناة النزوح واللجوء. غير أن من أكثر الفئات تضررًا كانت فئة المعلمين والمعلمات، الذين كانت رواتبهم متدنية بالكاد تفي بالاحتياجات الأساسية، فلم تكن لديهم مدخرات تعينهم على مجابهة أهوال الحرب وقسوة النزوح. رأيناهم يكابدون المشاق، ويعانون شظف العيش، ويضطر كثير منهم إلى امتهان أعمال هامشية ليسدوا رمقهم ويحفظوا كرامتهم. ومع ذلك، لم ينسوا رسالتهم، ولم يتخلوا عن طلابهم وتلاميذهم الذين انقطعوا عن التعليم وحُرموا منه، في ظروف قاسية طالت مجتمعات بأكملها. ورغم الألم، فتح المعلمون المدارس في المناطق المحرومة، ليزرعوا في نفوس الأجيال نافذة أمل، ويرسموا لهم طريق المستقبل. آمنوا بأن التعليم حق أصيل لا يجوز أن يُحرم منه طفل، وأن رفع الوعي وفتح المدارك يجب أن يستمر مهما اشتدت الأزمات. رأيناهم في المجلد، والنهود، وود بندا، والفولة، ولقاوة، وأبوزبد، والتبون، وكاودا… يربطون على جراحهم، ويكفكفون دموعهم، ويوارون حزنهم، لتستمر المدارس وتستمر الحياة. رأيناهم يغرسون في النشء قيم التكافل والتعاون، بل ويسهمون في تو...
آخر المشاركات

خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل

 خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟ يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة. كما جاء في  ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن. ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد. أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبل...

معركة الصورة والواقع: كيف غيّرت الفاشر اتجاه الرأي العام العالمي والصورة الذهنية للدعم السريع ؟

 معركة الصورة والواقع: كيف غيّرت الفاشر اتجاه الرأي العام العالمي والصورة الذهنية للدعم السريع ؟ تُظهر تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة، وما تبعها من تراجع في مواقف بعض الأطراف الغربية، أن ما حدث في مدينة الفاشر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محطة فاصلة أعادت رسم صورة الصراع في السودان. لقد غيّرت تلك الأحداث اتجاه الرأي العام العالمي، وأعطت خصوم الدعم السريع مادة دسمة لتغذية حملات إعلامية منظمة. الولايات المتحدة، من جانبها، تبدو ماضية في رؤيتها للأزمة السودانية وفق حسابات دقيقة لا تعبأ كثيرًا بالخسائر الجانبية، فهي لا تملك ما تخسره في ساحة بعيدة عنها. أما القوى الإسلامية، التي تراهن على الوقت أو التسويات، فهي في مأزق حقيقي، إذ تدرك أن أي تنازل أو تراجع لن يوقف اندفاع واشنطن نحو فرض واقع جديد يتناسب مع مصالحها ورؤيتها الإقليمية. لكن جوهر الأزمة اليوم لا يتصل فقط بالسياسة الدولية، بل بالواقع الداخلي نفسه. الانفلات العسكري وضعف الانضباط داخل القوات يشكّلان الخطر الأكبر، إذ يهددان بفقدان السيطرة ويدفعان البلاد نحو فوضى يصعب احتواؤها. والمشهد في الفاشر كان مثالًا صارخًا لما ...

بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى قيادة الدعم السريع

 بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى القيادة وكل الأشاوس ✍🏼 بقلم: آدم بركة دفع الله عطية القضية التي نناضل من أجلها ليست مجرد معركة ضد طغمة ظالمة حكمت السودان بالحديد والنار، بل هي معركة من أجل استعادة كرامة الإنسان السوداني وحقه في وطنٍ تسوده العدالة والمساواة. نعم، لقد ذاق شعبنا ويلات العذاب من نظامٍ مارس كل صنوف الإذلال والتهميش، وارتكب من الموبقات ما تشيب له الولدان. ومع ذلك، فإن رفضنا للظلم لا يبرر بأي حالٍ أن نمارس الظلم باسم العدالة، أو أن نكرر أخطاء من نحاربهم. ما حدث في الفاشر أخيرًا — من تصفيةٍ لأسرى ومدنيين على يد بعض الأفراد — أمر لا يمكن السكوت عليه، لأنه ببساطة ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها قضيتنا. إن قتل إنسان بسبب قبيلته أو انتمائه لا يختلف عن أفعال الطغاة الذين نقاومهم، بل يمنحهم مبررًا للطعن في عدالة قضيتنا أمام العالم. إن ما ارتكبه المدعو أبولولو من جريمة قتل على أساس قبلي، وما تبع ذلك من صمتٍ رسميٍ لم يتجاوز حدود البيان، يعدّ خطأً فادحًا لا يجب أن يمر دون محاسبة. فحين يُقتل إنسان أمام أعين القيادة دون أن يتحرك ضمير المؤسسة أو تُفعّل أدوات العدالة، فإن الرسا...

تحرير الفاشر... درس في الوعي الوطني ووحدة المصير

 تحرير الفاشر... درس في الوعي الوطني ووحدة المصير ✍🏼 آدم بركة دفع الله عطية تحرير الفاشر اليوم أرسى درسًا عظيمًا يجب أن يفهمه الجميع، لا سيما أولئك الذين ما زالوا يراهنون على تفتيت السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي. لقد كشفت معركة الفاشر عن حقيقة لا يمكن إنكارها: إرادة الشعوب أقوى من كل المشاريع العنصرية التي حاولت أن تكرّس التسلّط باسم الدين أو العِرق أو الجهة. بعد تحرير المدينة، تعالت بعض الأصوات المشبوهة تتحدث عن أن الانفصال قادم، وكأن مصير السودان يُختزل في معركة أو إقليم. يعتقد أصحاب هذه النزعة أن حكم السودان لا يتحقق إلا بأن يبقوا في السلطة، أو أن يُمزّق الوطن ليبقى لهم ما تبقّى منه تحت شعارات زائفة باسم «الشعب» و«الهوية». لكن ما غاب عنهم هو أن تجربة جنوب السودان كانت نابعة من خيارٍ قدّمه أبناؤه أنفسهم، بعد سنوات من التهميش والحروب، فاختاروا طريقًا خاصًا بهم. أما في دارفور، فالوضع مختلف تمامًا — لأنّها جزءٌ أصيل من الجسد السوداني، ولأنّ كل السودانيين، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، يناضلون اليوم من أجل هدفٍ واحد: أن يعيشوا سويًا، متساوين في الحقوق والواجبات، تحت ظل العدالة وس...

انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني

 انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني  ✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية  يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني. شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة». أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان ...

العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان

 العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان ✍️ بقلم: آدم  بركة دفع الله عطية بعد إعلان حكومة التأسيس، وجد الذين أشعلوا الحرب أنفسهم في الزاوية الضيقة التي لم يتخيلوها يومًا. أولئك الذين توعدوا بإنهاء الدعم السريع ودفن قوى الثورة، وأقسموا أن يحسموا المعركة في “يومين”، وجدوا أنفسهم اليوم بعد ثلاث سنوات أمام حقيقة مرّة: لا الدعم السريع انتهى، ولا الحرب حُسمت، بل دُمّرت العاصمة، وانهارت مؤسسات الدولة، وفرّ قادة الحرب إلى بورتسودان. الذين نفخوا في نار الفتنة وروّجوا للكراهية والعنصرية، ساقوا الناس إلى المحرقة، فخسروا أرواحهم وبيوتهم وممتلكاتهم. واليوم، بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس، يريدون أن يعودوا إلى المشهد السياسي دون مساءلة، وكأن شيئًا لم يكن، بل يسعون للجلوس مجددًا على كراسي السلطة المدنية التي ينادي بها كل السودانيين والمجتمع الدولي. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا سلام بلا عدالة، ولا يمكن بناء وطن على ركام الجرائم دون محاسبة. فالمساءلة ليست انتقامًا، بل ضمانةٌ لعدم تكرار المأساة، ورسالةٌ لكل من يعبث بمصير الشعب السوداني. الذين يحاولون العودة عبر بوابة القاهرة، بعد أ...