التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شيراز ليست إلا رأس الأزمة

 شيراز ليست إلا رأس الأزمة


كلنا شاهدنا ما قامت به الرائد شيراز، حين سكبت "المريسة" وأهانت البسطاء، في حملة ادّعت أنها ضد "الظواهر السالبة". لكن لنعُد خطوة إلى الوراء ونسأل أنفسنا: ما المقصود فعلاً بالظواهر السالبة؟


الظواهر السالبة، كما حددها القرار الصادر من القائد العام لقوات الدعم السريع، تتعلق بتصرفات بعض عناصر القوات غير المنضبطين، من اعتداء على المواطنين، وسرقة، ونهب، وتهديد، واستغلال للسلطة. وهي جرائم موجهة ضد كرامة الإنسان السوداني، وكان الهدف من اللجنة هو محاربتها داخل المؤسسة.


لكن ما فعلته الرائد شيراز، للأسف، لا يمت بصلة لهذا الهدف. بل هو استعراض فوضوي للسلطة، وتحويل الحملة إلى مسرحية إذلال، لا إصلاح. والأسوأ من ذلك، أن ما بدر منها يُعيد إلى الأذهان عقلية الكيزان السلطوية التي كانت تمارس العنف على الفقراء والمهمشين باسم النظام، وباسم الأخلاق، وباسم القانون.


هذه العقلية لم تندثر. إنها تتسلل إلينا، تُعيد إنتاج نفسها بيننا، وتتموضع في بعض من يلبسون زي التغيير، بينما يمارسون سلوك النظام البائد ذاته.


لذلك فإن معركتنا ضد "الفلول" لا تنتهي بمطاردتهم أو تصويرهم أو جعلهم يرددون "قل باع"... بل تبدأ من داخلنا. التغيير الحقيقي هو أن نقتل في داخلنا ذلك "الكوز" المتسلط، الذي يعشش في بعض العقول، ويتجلى في استسهال القهر، واستباحة الناس، واحتقار الضعفاء.


وعلى الإعلام أن يلعب دوره، لا بتزييف الواقع، بل بتعرية هذه السلوكيات، وتسمية الأمور بمسمياتها:

الكوز ليس عضوية سياسية فقط، بل هو  سلوك

@إشارة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى قيادة الدعم السريع

 بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى القيادة وكل الأشاوس ✍🏼 بقلم: آدم بركة دفع الله عطية القضية التي نناضل من أجلها ليست مجرد معركة ضد طغمة ظالمة حكمت السودان بالحديد والنار، بل هي معركة من أجل استعادة كرامة الإنسان السوداني وحقه في وطنٍ تسوده العدالة والمساواة. نعم، لقد ذاق شعبنا ويلات العذاب من نظامٍ مارس كل صنوف الإذلال والتهميش، وارتكب من الموبقات ما تشيب له الولدان. ومع ذلك، فإن رفضنا للظلم لا يبرر بأي حالٍ أن نمارس الظلم باسم العدالة، أو أن نكرر أخطاء من نحاربهم. ما حدث في الفاشر أخيرًا — من تصفيةٍ لأسرى ومدنيين على يد بعض الأفراد — أمر لا يمكن السكوت عليه، لأنه ببساطة ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها قضيتنا. إن قتل إنسان بسبب قبيلته أو انتمائه لا يختلف عن أفعال الطغاة الذين نقاومهم، بل يمنحهم مبررًا للطعن في عدالة قضيتنا أمام العالم. إن ما ارتكبه المدعو أبولولو من جريمة قتل على أساس قبلي، وما تبع ذلك من صمتٍ رسميٍ لم يتجاوز حدود البيان، يعدّ خطأً فادحًا لا يجب أن يمر دون محاسبة. فحين يُقتل إنسان أمام أعين القيادة دون أن يتحرك ضمير المؤسسة أو تُفعّل أدوات العدالة، فإن الرسا...

خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل

 خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟ يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة. كما جاء في  ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن. ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد. أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبل...

انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني

 انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني  ✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية  يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني. شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة». أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان ...