التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السودان الجديد... من نيالا تبدأ الحكاية

 السودان الجديد... من نيالا تبدأ الحكاية


في الخامس عشر من أبريل، حين أشعلت جماعة الكيزان حربها العبثية، كانت تظن بخيالها المريض والقاصر أنها قادرة على دفن الثورة والعودة إلى سطوتها القديمة، لتعيد إنتاج ذات النهج الذي خبر السودانيون ويلاته من قتل وتشريد واغتصاب وقمع للحريات. غير أنّ حساباتهم سرعان ما تهاوت أمام صمود شعبٍ ثائر ظلّت جذوة ثورته متقدة في القلوب، عصية على الانطفاء.


لقد جاءت ثورة ديسمبر لتقطع مع ماضي السودان إلى غير رجعة، ولتفتح أفقاً جديداً لبناء وطن ينهض على قيم الحرية والعدالة والمساواة. ومن نيالا البحير ارتفع الهتاف الصادق، ممتزجاً بالدموع، إيذاناً بميلاد السودان الجديد . هناك، في مشهد مهيب، خرجت الجماهير لتعلن انتماءها لوطن طالما حُرمت من أبسط حقوقه، ولتؤكد أن الأمل ممكن، وأن الحلم جدير بأن يتحقق بسواعد أبناء الشعب وتضحياتهم.


لقد فشل الانقلابيون والمختطفون في العودة، وباتت أوهامهم تتلاشى تحت وقع إرادة الجماهير. والتاريخ سيكتب أن من زرع الفتن ومارس البطش مضى إلى مزبلته، بينما يبقى أثر من زرعوا الخير والوعي والرجاء.


ولئن سخروا من حكومة الوحدة والسلام، ونعَتوها بحكومة المنفى، فإن نيالا كانت الرد الحاسم: هناك كان الوزراء والقادة يسيرون بين الناس، يصافحونهم ويستمعون إلى همومهم، في مشهدٍ أعاد الثقة وأشعل الأمل في كل ربوع الوطن. لقد غدت نيالا نقطة الضوء التي ستتسع لتضيء السودان كله بالسلام والحرية والعدالة.


أما الذين انتفعوا من إرث الدولة القديمة ثم تراجعوا عن نصرة إرادة الشعب، فقد سيطويهم النسيان (ان صمدوا) وكأنهم لم يكونوا. فالتاريخ لا يذكر المترددين، بل يخلّد الشجعان الذين يصنعون السلام ويؤسسون لوحدة الوطن.


إن السودان الجديد يولد اليوم من رحم المعاناة، ويُكتب بالدماء الطاهرة، ليكون وطناً يليق بأبنائه. ومن نيالا تبدأ الحكاية، حكاية شعبٍ لا يعرف التراجع ولا يقبل بأقل من الحرية والمساواة والسلام.

الضابط الإداري / آدم بركة دفع الله عطية

@إشارة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى قيادة الدعم السريع

 بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى القيادة وكل الأشاوس ✍🏼 بقلم: آدم بركة دفع الله عطية القضية التي نناضل من أجلها ليست مجرد معركة ضد طغمة ظالمة حكمت السودان بالحديد والنار، بل هي معركة من أجل استعادة كرامة الإنسان السوداني وحقه في وطنٍ تسوده العدالة والمساواة. نعم، لقد ذاق شعبنا ويلات العذاب من نظامٍ مارس كل صنوف الإذلال والتهميش، وارتكب من الموبقات ما تشيب له الولدان. ومع ذلك، فإن رفضنا للظلم لا يبرر بأي حالٍ أن نمارس الظلم باسم العدالة، أو أن نكرر أخطاء من نحاربهم. ما حدث في الفاشر أخيرًا — من تصفيةٍ لأسرى ومدنيين على يد بعض الأفراد — أمر لا يمكن السكوت عليه، لأنه ببساطة ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها قضيتنا. إن قتل إنسان بسبب قبيلته أو انتمائه لا يختلف عن أفعال الطغاة الذين نقاومهم، بل يمنحهم مبررًا للطعن في عدالة قضيتنا أمام العالم. إن ما ارتكبه المدعو أبولولو من جريمة قتل على أساس قبلي، وما تبع ذلك من صمتٍ رسميٍ لم يتجاوز حدود البيان، يعدّ خطأً فادحًا لا يجب أن يمر دون محاسبة. فحين يُقتل إنسان أمام أعين القيادة دون أن يتحرك ضمير المؤسسة أو تُفعّل أدوات العدالة، فإن الرسا...

خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل

 خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟ يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة. كما جاء في  ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن. ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد. أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبل...

انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني

 انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني  ✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية  يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني. شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة». أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان ...