نورالدين صلاح الدين
عضو المكتب التنفيذي لـ "التيار الوطني"
قرأت مقالك الموسوم "من الجبل إلى المجلس الرئاسي: مفارقة عبد العزيز الحلو وتحالف الجنجويد"، وقد بدا لي أنك — رغم لغتك المحترفة ومحاولاتك إضفاء طابع أخلاقي على الموقف — ما زلت حبيساً لمشهدٍ قديمٍ تجاوزه الواقع، وتغض الطرف عن تحولات عميقة يعيشها السودان اليوم، لا تراها النخب المتقوقعة في غرف الأيدولوجيا المغلقة أو في شوارع الخرطوم المدمّرة.
لقد استخدمت مفردات "الخيانة" و"النقيض" و"الموت الرمزي للمشروع" بكل أريحية، وكأن التاريخ كتبه تياركم، وكأن المعركة ما زالت بين مثقفين ونصوص، لا بين موت ونجاة، بين جغرافيا منهارة تبحث عن الحد الأدنى من الوجود، وبين من يرون في المبادئ نصوصًا تصلح للمنابر لا للواقع.
عبد العزيز الحلو، الذي تهاجمه، لم يأتِ من فراغ سياسي ولا عاطفة تحالفات. بل هو قائد ميداني، يحكمه ميزان المصلحة التاريخية لشعب يعيش القهر منذ عقود. عند رفضه التفاوض مع حميدتي في 2020، كان المشهد مختلفًا: كانت هناك قوى مدنية واعدة، وأملٌ في مسار انتقالي ديمقراطي. أما اليوم، فالبدائل ليست بين الثورة والردة، بل بين الموت المجاني لشعوب الهامش وبين واقع معقد يُدار بالسلاح والخرائط المتحركة.
وهنا جوهر ما لا تريد أن تراه: أن خيار الحلو، مهما بدا متناقضاً لك، هو في جوهره استجابة لقوانين حرب لم تشعلها الحركة الشعبية ، بل أنتم، أنتم من غطى ظهر الدولة العميقة، وتماهى مع فاشية المركز، وتغنّى بمشاريع فارغة لم تُنقذ قرية واحدة من القصف.
ثم من قال إن تحالفات الحرب تلغي المبادئ؟ هل تظن أن مشروع السودان الجديد كان دعوة لتعالٍ أخلاقي منفصل عن أدوات الصراع؟ المشروع الذي بشّر به قرنق — والحلو من بعده — لم يكن دعوة للتقوى السياسية، بل لإعادة هندسة السلطة على أسس تُمكّن المهمّش لا تُمجّد المركز. وإذا كانت أدوات ذلك اليوم تختلف عن أدوات اليوم، فالمعيار هو المصلحة التاريخية لا الوهم الثوري.
ختامًا:
لسنا من دعاة الصمت، ولسنا ممن يختبئون خلف البندقية أو البيان. لكننا نعلم أن التاريخ لا يُكتب في بيانات النخبة، بل في خرائط الصراع، في بيوت النزوح، في جسد البلد الذي تمزّقه فصائل لم تولد من فراغ، بل من عنفكم البنيوي الذي ترفضون الاعتراف به.
فلا تُحاضر على من اختار طريقًا صعبًا لوقف الإبادة، وأنت تقف على أطلال مشروع لم تدافع عنه يومًا إلا عندما توافق هوى تيارك.
أما عبد العزيز الحلو، فهو لم يُبع المبادئ كما تزعم، بل اختار أن يفاوض على حياة شعبه لا على نص بيان.
والسلام على من يعرف أن السياسة في زمن الخراب ليست مزايدة، بل اختبارٌ للضمير في ظل المستحيل.
@إشارة
تعليقات