التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان

 العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان


✍️ بقلم: آدم  بركة دفع الله عطية


بعد إعلان حكومة التأسيس، وجد الذين أشعلوا الحرب أنفسهم في الزاوية الضيقة التي لم يتخيلوها يومًا. أولئك الذين توعدوا بإنهاء الدعم السريع ودفن قوى الثورة، وأقسموا أن يحسموا المعركة في “يومين”، وجدوا أنفسهم اليوم بعد ثلاث سنوات أمام حقيقة مرّة: لا الدعم السريع انتهى، ولا الحرب حُسمت، بل دُمّرت العاصمة، وانهارت مؤسسات الدولة، وفرّ قادة الحرب إلى بورتسودان.


الذين نفخوا في نار الفتنة وروّجوا للكراهية والعنصرية، ساقوا الناس إلى المحرقة، فخسروا أرواحهم وبيوتهم وممتلكاتهم. واليوم، بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس، يريدون أن يعودوا إلى المشهد السياسي دون مساءلة، وكأن شيئًا لم يكن، بل يسعون للجلوس مجددًا على كراسي السلطة المدنية التي ينادي بها كل السودانيين والمجتمع الدولي.


لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا سلام بلا عدالة، ولا يمكن بناء وطن على ركام الجرائم دون محاسبة. فالمساءلة ليست انتقامًا، بل ضمانةٌ لعدم تكرار المأساة، ورسالةٌ لكل من يعبث بمصير الشعب السوداني.


الذين يحاولون العودة عبر بوابة القاهرة، بعد أن وعدتهم دبلوماسيتها بالحماية، يكررون الخطأ ذاته. الدعوة المصرية للحوار مع تحالف “صمود” بقيادة حمدوك، قبيل اجتماع الرباعية، ليست إلا محاولة جديدة لإنقاذ العسكريين من المحاسبة. غير أن “صمود” يدرك تمامًا أن أي تسوية من هذا النوع مرفوضة شعبيًا، فقد جُرّبت الشراكة مع العسكريين من قبل، وسعى حمدوك نفسه لإنجاحها، لكنها انتهت بانقلاب وحرب.


اليوم، لا يريد السودانيون سوى العدالة، لأنهم أدركوا أن كل سلام لا يقوم على المحاسبة هو سلام زائف، وكل مصالحة بلا حق هي استراحة محارب قبل جولة جديدة من الدم.


إن الطريق إلى السودان الجديد يبدأ من المحكمة، لا من القصر. ومن أراد السلام، فليبدأ بالاعتراف بالجرم، لا بتكرار الخطأ.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى قيادة الدعم السريع

 بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى القيادة وكل الأشاوس ✍🏼 بقلم: آدم بركة دفع الله عطية القضية التي نناضل من أجلها ليست مجرد معركة ضد طغمة ظالمة حكمت السودان بالحديد والنار، بل هي معركة من أجل استعادة كرامة الإنسان السوداني وحقه في وطنٍ تسوده العدالة والمساواة. نعم، لقد ذاق شعبنا ويلات العذاب من نظامٍ مارس كل صنوف الإذلال والتهميش، وارتكب من الموبقات ما تشيب له الولدان. ومع ذلك، فإن رفضنا للظلم لا يبرر بأي حالٍ أن نمارس الظلم باسم العدالة، أو أن نكرر أخطاء من نحاربهم. ما حدث في الفاشر أخيرًا — من تصفيةٍ لأسرى ومدنيين على يد بعض الأفراد — أمر لا يمكن السكوت عليه، لأنه ببساطة ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها قضيتنا. إن قتل إنسان بسبب قبيلته أو انتمائه لا يختلف عن أفعال الطغاة الذين نقاومهم، بل يمنحهم مبررًا للطعن في عدالة قضيتنا أمام العالم. إن ما ارتكبه المدعو أبولولو من جريمة قتل على أساس قبلي، وما تبع ذلك من صمتٍ رسميٍ لم يتجاوز حدود البيان، يعدّ خطأً فادحًا لا يجب أن يمر دون محاسبة. فحين يُقتل إنسان أمام أعين القيادة دون أن يتحرك ضمير المؤسسة أو تُفعّل أدوات العدالة، فإن الرسا...

خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل

 خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟ يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة. كما جاء في  ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن. ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد. أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبل...

انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني

 انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني  ✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية  يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني. شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة». أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان ...