تحرير الفاشر... درس في الوعي الوطني ووحدة المصير
✍🏼 آدم بركة دفع الله عطية
تحرير الفاشر اليوم أرسى درسًا عظيمًا يجب أن يفهمه الجميع، لا سيما أولئك الذين ما زالوا يراهنون على تفتيت السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي. لقد كشفت معركة الفاشر عن حقيقة لا يمكن إنكارها: إرادة الشعوب أقوى من كل المشاريع العنصرية التي حاولت أن تكرّس التسلّط باسم الدين أو العِرق أو الجهة.
بعد تحرير المدينة، تعالت بعض الأصوات المشبوهة تتحدث عن أن الانفصال قادم، وكأن مصير السودان يُختزل في معركة أو إقليم. يعتقد أصحاب هذه النزعة أن حكم السودان لا يتحقق إلا بأن يبقوا في السلطة، أو أن يُمزّق الوطن ليبقى لهم ما تبقّى منه تحت شعارات زائفة باسم «الشعب» و«الهوية».
لكن ما غاب عنهم هو أن تجربة جنوب السودان كانت نابعة من خيارٍ قدّمه أبناؤه أنفسهم، بعد سنوات من التهميش والحروب، فاختاروا طريقًا خاصًا بهم. أما في دارفور، فالوضع مختلف تمامًا — لأنّها جزءٌ أصيل من الجسد السوداني، ولأنّ كل السودانيين، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، يناضلون اليوم من أجل هدفٍ واحد: أن يعيشوا سويًا، متساوين في الحقوق والواجبات، تحت ظل العدالة وسيادة القانون.
القلة التي تتحكم في رقاب الناس وتوزّع الوطنية كما تشاء، هي ذاتها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه من أزمات وانقسامات. هي التي بنت نفوذها على الإقصاء والتمييز، وتوهمت أن السلطة إرثٌ أبديّ يُورَّث جيلاً بعد جيل. لكنها اليوم تواجه لحظة الحقيقة. فالتاريخ لا يرحم، ومزبلة التاريخ تنتظر كل من ظنّ أنه قادر على مصادرة إرادة الشعب أو تمزيق وحدته الوطنية.
وعلى الحركات التي انحازت إلى الطغاة أن تعي الدرس جيدًا؛ فبعد أن قدّم أبناؤها دماءهم وتضحياتهم، كانت النتيجة أن من تحالفوا معهم يريدون اليوم أن يفصلوهم عن وطنهم. يوماً بعد يوم تتحرك الشرذمة المتسلّطة لإطلاق حملاتها الإعلامية المسمومة، تحاول قلب الحقائق وتزييف الوعي، وكأنها لم تتعلم من التاريخ أن من يخون قضيته أول من يُرمى خارجها.
تحرير الفاشر ليس مجرد حدث عسكري، بل هو تحوّل في الوعي الجمعي للسودانيين. إنه إعلان عن ميلاد مرحلة جديدة من الكرامة الوطنية، مرحلة تقول إن السودان لا يُحكم بالقهر، ولا يُبنى على الامتيازات، بل على العدالة والمساواة والمواطنة الكاملة.
السودان اليوم يقف على أعتاب فجر جديد، فجر الحرية الجامعة. حرب التحرير لن تتوقف عند حدود بعينها أو عند مدن اعتقدت الطغمة أنها حصينة؛ بل ستصل كل المدن التي ظنّت الطغمة أنها لن تصلها، وستسقط الحصون التي بُنيت على الخوف والفساد والتفرقة. سيُعاد تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة — أسسٍ تعترف بالتنوع، وتحتضن الجميع، وتضع مصلحة الوطن فوق مصالح الأفراد والطوائف.
ولعلّ الدرس الأهم من تحرير الفاشر هو أن السودانيين حين يتوحدون، لا يُهزمون. فالتاريخ أثبت أن كل محاولات الهيمنة سقطت أمام وعي الشعب، وأن كل طاغيةٍ مهما تجبّر، خرج من المشهد كما خرج الذين من قبله.
إن ما يحدث اليوم ليس نهاية الحرب فحسب، بل بداية الطريق نحو بناء وطنٍ عادلٍ يسع الجميع. وطنٌ لا يُقصي أحدًا ولا يعلو فيه صوت الجهة على صوت الوطن.
وسيبقى شعار المرحلة القادمة:
السودان للجميع... ولا مكان بعد اليوم لمن يزرع الكراهية أو يروّج للانقسام.
تعليقات