معركة الصورة والواقع: كيف غيّرت الفاشر اتجاه الرأي العام العالمي والصورة الذهنية للدعم السريع ؟
تُظهر تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة، وما تبعها من تراجع في مواقف بعض الأطراف الغربية، أن ما حدث في مدينة الفاشر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محطة فاصلة أعادت رسم صورة الصراع في السودان. لقد غيّرت تلك الأحداث اتجاه الرأي العام العالمي، وأعطت خصوم الدعم السريع مادة دسمة لتغذية حملات إعلامية منظمة.
الولايات المتحدة، من جانبها، تبدو ماضية في رؤيتها للأزمة السودانية وفق حسابات دقيقة لا تعبأ كثيرًا بالخسائر الجانبية، فهي لا تملك ما تخسره في ساحة بعيدة عنها. أما القوى الإسلامية، التي تراهن على الوقت أو التسويات، فهي في مأزق حقيقي، إذ تدرك أن أي تنازل أو تراجع لن يوقف اندفاع واشنطن نحو فرض واقع جديد يتناسب مع مصالحها ورؤيتها الإقليمية.
لكن جوهر الأزمة اليوم لا يتصل فقط بالسياسة الدولية، بل بالواقع الداخلي نفسه. الانفلات العسكري وضعف الانضباط داخل القوات يشكّلان الخطر الأكبر، إذ يهددان بفقدان السيطرة ويدفعان البلاد نحو فوضى يصعب احتواؤها. والمشهد في الفاشر كان مثالًا صارخًا لما يمكن أن يترتب على غياب القيادة الميدانية المنضبطة.
ولأن الحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، فقد أصبحت المعركة الإعلامية ساحة حاسمة لا تقل أهمية عن الميدان. فالحملة التي أعقبت أحداث الفاشر استغلها أبناء وبنات الدولة القديمة التي نعرفها ب٥٦ في المهجر، مستخدمين منصات مثل “تيك توك” ووسائل التواصل الغربية لنشر محتوى ضد الدعم السريع بلغات متعددة، خاصة الإنجليزية، وتوظيف الفن الذي يستهوي الشباب مثل الراب حتى اغاني ما تسمى بالقونات مما مكنهم من الوصول إلى جمهور واسع من الشباب في السودان و أمريكا وأوروبا.
هذا الجمهور الشبابي بات اليوم مؤثرًا في صناعة القرار الغربي. ويكفي أن نشير إلى صعود أصوات شبابية ناقدة لإسرائيل في الجامعات الأمريكية، وإلى فوز الشاب المسلم “ممداني” بمنصب عمدة نيويورك، لندرك حجم التحول الجاري في وعي الشباب الغربي، ودوره في إعادة تشكيل السياسات. ومن هنا تكمن خطورة خسارة هذه الفئة لصالح خصوم الدعم السريع.
في المقابل، يبدو أن الدعم السريع لم يدرك بعد حجم معركة الصورة الذهنية. فبينما يركز على الإنجازات الميدانية، تتعرض سمعته لهجوم مكثف، يُصوِّره في الإعلام الدولي كقوة خارجة عن السيطرة. ولأن الصورة تُصنع بالكلمة قبل الكاميرا، فإن غياب الرواية المقنعة سيجعل أي نصر عسكري بلا معنى أمام خسارة المعركة الإعلامية.
إن الطريق إلى تصحيح الصورة يبدأ أولًا من الداخل، عبر ضبط القوات ومحاسبة المتجاوزين، ثم التواصل الذكي مع الإعلام الدولي بلغة هادئة وشفافة. كما يجب الانفتاح على السودانيين في المهجر، خاصة الشباب، والاستفادة من قدرتهم على مخاطبة المجتمعات الغربية بلغاتها وأساليبها.
فإن الانفلات لا يعني فقط ضعف السيطرة العسكرية، بل هو بداية الانهيار السياسي والاجتماعي. والسودان اليوم لا يحتمل مزيدًا من التجريب. فإما انضباط وحكمة، أو فوضى لا تبقي ولا تذر.
تعليقات