الحرب في السودان ذات تداعيات كبيرة على جميع السودانيين؛ فقد أزهقت أرواح، وتشردت أسر، وتفاقمت معاناة النزوح واللجوء. غير أن من أكثر الفئات تضررًا كانت فئة المعلمين والمعلمات، الذين كانت رواتبهم متدنية بالكاد تفي بالاحتياجات الأساسية، فلم تكن لديهم مدخرات تعينهم على مجابهة أهوال الحرب وقسوة النزوح.
رأيناهم يكابدون المشاق، ويعانون شظف العيش، ويضطر كثير منهم إلى امتهان أعمال هامشية ليسدوا رمقهم ويحفظوا كرامتهم. ومع ذلك، لم ينسوا رسالتهم، ولم يتخلوا عن طلابهم وتلاميذهم الذين انقطعوا عن التعليم وحُرموا منه، في ظروف قاسية طالت مجتمعات بأكملها.
ورغم الألم، فتح المعلمون المدارس في المناطق المحرومة، ليزرعوا في نفوس الأجيال نافذة أمل، ويرسموا لهم طريق المستقبل. آمنوا بأن التعليم حق أصيل لا يجوز أن يُحرم منه طفل، وأن رفع الوعي وفتح المدارك يجب أن يستمر مهما اشتدت الأزمات.
رأيناهم في المجلد، والنهود، وود بندا، والفولة، ولقاوة، وأبوزبد، والتبون، وكاودا… يربطون على جراحهم، ويكفكفون دموعهم، ويوارون حزنهم، لتستمر المدارس وتستمر الحياة. رأيناهم يغرسون في النشء قيم التكافل والتعاون، بل ويسهمون في توفير وجبات الإفطار للتلاميذ، إيمانًا منهم بأن الرسالة أكبر من الظروف.
هنا يقف الواجب لأحييهم إجلالًا وتقديرًا.
التحية لكل معلمي بلادي، لما يبذلونه من جهد، وما يقدمونه من أعمال جليلة لوطنٍ مكلوم، يحتاج إلى نور العلم أكثر من أي وقت مضى.
أيها المعلمون الشرفاء، أنتم خط الدفاع الأخير عن وعي هذا الوطن، وأنتم الجدار الذي تتكسر عليه محاولات الجهل والانقسام. قد تُدمَّر البيوت، وتضيق سبل العيش، وتطول ليالي النزوح، لكن ما دمتم تحملون الطباشير في أيديكم والأمل في قلوبكم، فلن يُهزم السودان.
أنتم الذين تُعيدون ترتيب الحياة كل صباح داخل فصول بسيطة، فتجعلون من السبورة وطنًا صغيرًا، ومن الدرس مشروع نهضة، ومن الطفل حلمًا يمشي على قدمين. إن ما تبذلونه ليس مجرد عمل، بل رسالة عظيمة تكتبون بها مستقبل البلاد حرفًا حرفًا.
سيأتي يوم يُطوى فيه سجل الحرب، وتبقى آثارها ذكرى مؤلمة، لكن سيبقى في المقابل جيلٌ تعلم على أيديكم معنى الصبر، وقيمة العلم، وقدسية الوطن. وحينها سيُقال: هنا مرّ المعلمون… فأنقذوا ما يمكن إنقاذه، وأبقوا شعلة النور متقدة في زمن العتمة.
فلكم منا كل الإجلال والعرفان،
ولله درّكم وأنتم تبنون الإنسان… في زمن الانكسار..
الضابط الإداري / آدم بركة دفع الله
تعليقات