التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

*في زمن العتمة.. كان المعلمون يزرعون الضوء* لقد كانت

 الحرب في السودان ذات تداعيات كبيرة على جميع السودانيين؛ فقد أزهقت أرواح، وتشردت أسر، وتفاقمت معاناة النزوح واللجوء. غير أن من أكثر الفئات تضررًا كانت فئة المعلمين والمعلمات، الذين كانت رواتبهم متدنية بالكاد تفي بالاحتياجات الأساسية، فلم تكن لديهم مدخرات تعينهم على مجابهة أهوال الحرب وقسوة النزوح. رأيناهم يكابدون المشاق، ويعانون شظف العيش، ويضطر كثير منهم إلى امتهان أعمال هامشية ليسدوا رمقهم ويحفظوا كرامتهم. ومع ذلك، لم ينسوا رسالتهم، ولم يتخلوا عن طلابهم وتلاميذهم الذين انقطعوا عن التعليم وحُرموا منه، في ظروف قاسية طالت مجتمعات بأكملها. ورغم الألم، فتح المعلمون المدارس في المناطق المحرومة، ليزرعوا في نفوس الأجيال نافذة أمل، ويرسموا لهم طريق المستقبل. آمنوا بأن التعليم حق أصيل لا يجوز أن يُحرم منه طفل، وأن رفع الوعي وفتح المدارك يجب أن يستمر مهما اشتدت الأزمات. رأيناهم في المجلد، والنهود، وود بندا، والفولة، ولقاوة، وأبوزبد، والتبون، وكاودا… يربطون على جراحهم، ويكفكفون دموعهم، ويوارون حزنهم، لتستمر المدارس وتستمر الحياة. رأيناهم يغرسون في النشء قيم التكافل والتعاون، بل ويسهمون في تو...

خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل

 خطاب الإنكار للحقائق… من أين يبدأ الخلل؟ يُعد مفهوم "الشعوب الأصيلة" من أكثر المفاهيم وضوحًا في الأدبيات الثقافية والقانونية المعاصرة، ليس فقط في السودان بل على مستوى العالم. فوفق المعايير الدولية ــ ومنها إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصيلة ــ يُقصد به الجماعات التي تمتلك ارتباطًا تاريخيًا عميقًا بالأرض، وثقافةً وهويةً سابقة لقيام الدولة الحديثة، ولها نظم اجتماعية ومعرفية راسخة. كما جاء في  ردود كثير من المختصين والكتاب ، يتّسم هذا المفهوم بوضوح شديد؛ إذ ينسجم مع الواقع التاريخي للسودان، حيث تشكلت مكونات البلاد من شعوبٍ أصلية استقرت في الأرض منذ آلاف السنين، ثم جاءت إليها هجرات لاحقة ــ عربية وغيرها ــ واندمجت معها عبر الزمن. ورغم هذا الثبات في المعنى والمراجع الثقافية والقانونية للمفهوم، جاء حديث الفاضل منصور ليقلب الطاولة، ويقدّم تصورًا يعيد إنتاج خطاب قديم أنكر هذا التاريخ المتعدد. أثار الفاضل منصور جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول مفهوم "الشعوب الأصيلة" في السودان، بعد محاولته إنكار وجود شعوب أصيلة داخل البلاد، والاكتفاء بالقول إنه “أصيل في حكورته القبل...

معركة الصورة والواقع: كيف غيّرت الفاشر اتجاه الرأي العام العالمي والصورة الذهنية للدعم السريع ؟

 معركة الصورة والواقع: كيف غيّرت الفاشر اتجاه الرأي العام العالمي والصورة الذهنية للدعم السريع ؟ تُظهر تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الأخيرة، وما تبعها من تراجع في مواقف بعض الأطراف الغربية، أن ما حدث في مدينة الفاشر لم يكن مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل محطة فاصلة أعادت رسم صورة الصراع في السودان. لقد غيّرت تلك الأحداث اتجاه الرأي العام العالمي، وأعطت خصوم الدعم السريع مادة دسمة لتغذية حملات إعلامية منظمة. الولايات المتحدة، من جانبها، تبدو ماضية في رؤيتها للأزمة السودانية وفق حسابات دقيقة لا تعبأ كثيرًا بالخسائر الجانبية، فهي لا تملك ما تخسره في ساحة بعيدة عنها. أما القوى الإسلامية، التي تراهن على الوقت أو التسويات، فهي في مأزق حقيقي، إذ تدرك أن أي تنازل أو تراجع لن يوقف اندفاع واشنطن نحو فرض واقع جديد يتناسب مع مصالحها ورؤيتها الإقليمية. لكن جوهر الأزمة اليوم لا يتصل فقط بالسياسة الدولية، بل بالواقع الداخلي نفسه. الانفلات العسكري وضعف الانضباط داخل القوات يشكّلان الخطر الأكبر، إذ يهددان بفقدان السيطرة ويدفعان البلاد نحو فوضى يصعب احتواؤها. والمشهد في الفاشر كان مثالًا صارخًا لما ...

بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى قيادة الدعم السريع

 بين القضية والعدالة: رسالتنا إلى القيادة وكل الأشاوس ✍🏼 بقلم: آدم بركة دفع الله عطية القضية التي نناضل من أجلها ليست مجرد معركة ضد طغمة ظالمة حكمت السودان بالحديد والنار، بل هي معركة من أجل استعادة كرامة الإنسان السوداني وحقه في وطنٍ تسوده العدالة والمساواة. نعم، لقد ذاق شعبنا ويلات العذاب من نظامٍ مارس كل صنوف الإذلال والتهميش، وارتكب من الموبقات ما تشيب له الولدان. ومع ذلك، فإن رفضنا للظلم لا يبرر بأي حالٍ أن نمارس الظلم باسم العدالة، أو أن نكرر أخطاء من نحاربهم. ما حدث في الفاشر أخيرًا — من تصفيةٍ لأسرى ومدنيين على يد بعض الأفراد — أمر لا يمكن السكوت عليه، لأنه ببساطة ينسف الأسس الأخلاقية التي قامت عليها قضيتنا. إن قتل إنسان بسبب قبيلته أو انتمائه لا يختلف عن أفعال الطغاة الذين نقاومهم، بل يمنحهم مبررًا للطعن في عدالة قضيتنا أمام العالم. إن ما ارتكبه المدعو أبولولو من جريمة قتل على أساس قبلي، وما تبع ذلك من صمتٍ رسميٍ لم يتجاوز حدود البيان، يعدّ خطأً فادحًا لا يجب أن يمر دون محاسبة. فحين يُقتل إنسان أمام أعين القيادة دون أن يتحرك ضمير المؤسسة أو تُفعّل أدوات العدالة، فإن الرسا...

تحرير الفاشر... درس في الوعي الوطني ووحدة المصير

 تحرير الفاشر... درس في الوعي الوطني ووحدة المصير ✍🏼 آدم بركة دفع الله عطية تحرير الفاشر اليوم أرسى درسًا عظيمًا يجب أن يفهمه الجميع، لا سيما أولئك الذين ما زالوا يراهنون على تفتيت السودان وتمزيق نسيجه الاجتماعي. لقد كشفت معركة الفاشر عن حقيقة لا يمكن إنكارها: إرادة الشعوب أقوى من كل المشاريع العنصرية التي حاولت أن تكرّس التسلّط باسم الدين أو العِرق أو الجهة. بعد تحرير المدينة، تعالت بعض الأصوات المشبوهة تتحدث عن أن الانفصال قادم، وكأن مصير السودان يُختزل في معركة أو إقليم. يعتقد أصحاب هذه النزعة أن حكم السودان لا يتحقق إلا بأن يبقوا في السلطة، أو أن يُمزّق الوطن ليبقى لهم ما تبقّى منه تحت شعارات زائفة باسم «الشعب» و«الهوية». لكن ما غاب عنهم هو أن تجربة جنوب السودان كانت نابعة من خيارٍ قدّمه أبناؤه أنفسهم، بعد سنوات من التهميش والحروب، فاختاروا طريقًا خاصًا بهم. أما في دارفور، فالوضع مختلف تمامًا — لأنّها جزءٌ أصيل من الجسد السوداني، ولأنّ كل السودانيين، في الشرق والغرب والشمال والجنوب، يناضلون اليوم من أجل هدفٍ واحد: أن يعيشوا سويًا، متساوين في الحقوق والواجبات، تحت ظل العدالة وس...

انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني

 انعتاق السودان من شبح العنصريةرسالة إلى الضمير الإنساني  ✍🏼: آدم بركة دفع الله عطية  يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر مراحله التاريخية حساسية، مرحلة يمكن وصفها بمرحلة الانعتاق من الطغمة العنصرية التي كبّلت البلاد لعقودٍ طويلة، وأشعلت في جسدها نيران التفرقة والتمييز والظلم الاجتماعي. ما يُعرف اليوم بـ«حكومة بورتسودان» لم تعد مجرد سلطة أمر واقع، بل باتت — في نظر كثيرين — أداةً في يد قوى خارجية، تستمد وجودها من سياسات الإقصاء والتمييز، وتسعى للحفاظ على امتيازات فئة ضيّقة على حساب غالبية الشعب السوداني. شهدت البلاد في الأسابيع الماضية حملات ترحيل قسري وتنكيل بالجنوبيين في مناطق متعدّدة، تناقلتها بعض وسائل الإعلام، بينما ما لم يُنقل أشدّ فظاعة، ممارسات ممنهجة للتمييز طالت فئات واسعة من المواطنين، وزُجّ بالآلاف في السجون فقط لأنهم «غير مرغوب فيهم» في نظر سلطات عنصرية تتعامل بمنطق «قانون الوجوه الغريبة». أحداث مستشفى عطبرة كانت مثالًا صارخًا لذلك الخطاب العنصري الانتقائي، الذي تمارسه جهات تدّعي الانتماء إلى الدولة، يضاف إليه إزالة المساكن بصورة انتقائية وممنهجة، وتهجير السكان ...

العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان

 العدالة أولًا... مدخل السلام في السودان ✍️ بقلم: آدم  بركة دفع الله عطية بعد إعلان حكومة التأسيس، وجد الذين أشعلوا الحرب أنفسهم في الزاوية الضيقة التي لم يتخيلوها يومًا. أولئك الذين توعدوا بإنهاء الدعم السريع ودفن قوى الثورة، وأقسموا أن يحسموا المعركة في “يومين”، وجدوا أنفسهم اليوم بعد ثلاث سنوات أمام حقيقة مرّة: لا الدعم السريع انتهى، ولا الحرب حُسمت، بل دُمّرت العاصمة، وانهارت مؤسسات الدولة، وفرّ قادة الحرب إلى بورتسودان. الذين نفخوا في نار الفتنة وروّجوا للكراهية والعنصرية، ساقوا الناس إلى المحرقة، فخسروا أرواحهم وبيوتهم وممتلكاتهم. واليوم، بعد أن أكلت الحرب الأخضر واليابس، يريدون أن يعودوا إلى المشهد السياسي دون مساءلة، وكأن شيئًا لم يكن، بل يسعون للجلوس مجددًا على كراسي السلطة المدنية التي ينادي بها كل السودانيين والمجتمع الدولي. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: لا سلام بلا عدالة، ولا يمكن بناء وطن على ركام الجرائم دون محاسبة. فالمساءلة ليست انتقامًا، بل ضمانةٌ لعدم تكرار المأساة، ورسالةٌ لكل من يعبث بمصير الشعب السوداني. الذين يحاولون العودة عبر بوابة القاهرة، بعد أ...

التكرار القاتل… لماذا سقطت الحركة الإسلامية في السودان؟

 التكرار القاتل… لماذا سقطت الحركة الإسلامية في السودان؟ ✍️ ادم بركة دفع الله  الحركة الإسلامية في السودان لم تسقط لأنها حوربت كما تتدعي، بل لأنها فشلت في أن تتطور. فشلت لأنها ظلت تكرر نفسها، وتعيد إنتاج ذات التجربة بذات العقول والوسائل، غير مدركة أن الزمن تغيّر والمجتمع تغيّر والعصر من حولها تجاوز مرحلة الخطابات المغلقة. منذ أن حوّل حسن الترابي جماعة صغيرة في 1964 إلى حزب سياسي كبير في 1985 كثالث حزب في ذاك الزمان ، كانت أمام الحركة فرصة لتكون مشروعًا وطنيًا إصلاحيًا متجددًا. لكنها انحرفت حين جعلت الدين وسيلة للتمكين لا للإصلاح، وتحولت من حركة دعوية إلى سلطة مغلقة ترفض النقد وتقصي المخالفين. ومن هنا بدأ الانهيار. حين سئل الدكتور المحبوب عبدالسلام في بودكاست "سودان" إن كانت الحركة الإسلامية في طور جديد، فهو يطرح سؤالًا أعمق: هل تملك الأدوات لتجديد نفسها؟ الجواب المؤلم: لا. لأن أي تجديد حقيقي يبدأ من نقد الذات، وهي لم تفعل ذلك يومًا. النماذج كثيرة. في المغرب انهار حزب العدالة والتنمية من 80% إلى 12% من مقاعد البرلمان، وفي تونس ومصر فقدت الحركات الإسلامية سلطتها حين اصطدمت بواق...

لماذا نرفض عودة الإسلاميين إلى حكومة السلام؟

 لماذا نرفض عودة الإسلاميين إلى حكومة السلام؟ إن رفضنا القاطع لعودة الإسلاميين إلى المناصب السيادية والحساسة في حكومة السلام ليس موقفًا عاطفيًا أو شخصيًا، بل هو التزام سياسي وأخلاقي تجاه الشعب السوداني الذي قدّم التضحيات من أجل إسقاط النظام القمعي الذي حكم باسم الإسلام لثلاثة عقود. لقد أكد القائد محمد حمدان دقلو أن دعمنا للتغيير الجذري يتطلب اجتثاث الحركة الإسلامية من جذورها، لا مجرد تحييدها أو إعادة تدوير رموزها. فعودة عناصر النظام البائد تعني بكل وضوح ضربًا لمصداقية الحكومة الجديدة، وخيانة لمبادئ الثورة، وتكريسًا لثقافة الإفلات من المحاسبة. إن حكومة التأسيس التي نحلم بها لا يمكن أن تُبنى على أنقاض دولة القمع والنهب والتمييز التي عرفها السودان سابقًا. بل يجب أن تكون قطيعة حاسمة مع كل ممارسات الدولة المركزية القديمة التي جلبت الحروب والدمار والفساد، وأن تفتح الباب أمام سودان جديد تُبنى فيه السلطة على أساس المواطنة، لا الولاء الحزبي أو الديني أو القبلي. لذا، فإن أي محاولة لإعادة الإسلاميين إلى الواجهة، سواء عبر المحاصصة، أو بالتسلل تحت غطاء القبيلة، أو عبر التهديد والابتزاز السياسي،...

في يوم.. تاريخي يُغيّر الملامح

 في يوم.. تاريخي يُغيّر الملامح في هذا اليوم المجيد، تُتوَّج نضالات الشعوب السودانية بإعلان ميلاد الدولة الجديدة، الدولة التي كان مهرها دماء الشهداء ودموع المقهورين، وصرخات المظلومين. نطوي اليوم صفحات من الألم، والتشريد، والتجريد، ونودّع دولة الظلم التي طالما جلَدت ظهور السودانيين بسياط القمع، وأرادت إسكات أصواتهم المطالِبة بالحرية والمساواة. إنه انطلاقة نحو رحاب أوسع من الحرية، والعدالة، والسلام. لحظة أن نعيش كما نريد، لا كما أراد لنا بقايا الاستعمار وأذيال العنصرية والطغيان. تتوشح نيالا اليوم بثوب جديد، يزهو بتنوع السودان وأهله. تتغنى كاودا بأغنيات الكرنُك، وتدق الطبول في المجلد برقصات المردوم، وترقص الكدنداية في النهود، وتصدح في  فحل الديوم اغاني الدوبيت  وبالتمتم نتمايل في الخرطوم، وعلى إيقاع الدليب في الشمال، نتهيّأ لفرحٍ كبير نلتقي فيه بمن آمنوا أن السودان يسعنا جميعًا. نودّع التفرقة، ونشيّع العنصرية إلى مثواها الأخير. السودان يتقدّم بخطى واثقة، بنضالات أبنائه الصادقين. والدولة القديمة تنهار، لأن وقتها قد انتهى. ادم بركة دفع الله

نورالدين صلاح الدين عضو المكتب التنفيذي لـ "التيار الوطني"

 نورالدين صلاح الدين عضو المكتب التنفيذي لـ "التيار الوطني" قرأت مقالك الموسوم "من الجبل إلى المجلس الرئاسي: مفارقة عبد العزيز الحلو وتحالف الجنجويد"، وقد بدا لي أنك — رغم لغتك المحترفة ومحاولاتك إضفاء طابع أخلاقي على الموقف — ما زلت حبيساً لمشهدٍ قديمٍ تجاوزه الواقع، وتغض الطرف عن تحولات عميقة يعيشها السودان اليوم، لا تراها النخب المتقوقعة في غرف الأيدولوجيا المغلقة أو في شوارع الخرطوم المدمّرة. لقد استخدمت مفردات "الخيانة" و"النقيض" و"الموت الرمزي للمشروع" بكل أريحية، وكأن التاريخ كتبه تياركم، وكأن المعركة ما زالت بين مثقفين ونصوص، لا بين موت ونجاة، بين جغرافيا منهارة تبحث عن الحد الأدنى من الوجود، وبين من يرون في المبادئ نصوصًا تصلح للمنابر لا للواقع. عبد العزيز الحلو، الذي تهاجمه، لم يأتِ من فراغ سياسي ولا عاطفة تحالفات. بل هو قائد ميداني، يحكمه ميزان المصلحة التاريخية لشعب يعيش القهر منذ عقود. عند رفضه التفاوض مع حميدتي في 2020، كان المشهد مختلفًا: كانت هناك قوى مدنية واعدة، وأملٌ في مسار انتقالي ديمقراطي. أما اليوم، فالبدائل ليست ...

أحمد عثمان حمزة… راعي الامتيازات التاريخية والعنصرية

 أحمد عثمان حمزة… راعي الامتيازات التاريخية والعنصرية الوالي أحمد عثمان حمزة، أحد ضباط الإداريين دفعة 1987، خرج من رحم الحركة الإسلامية، وقضى جل خدمته في ولاية الخرطوم، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمحلية أمبدة لأكثر من عقد ونصف، في زمن كان فيه الوصول إلى هذا الموقع حكرًا على الإسلاميين ومنحدري شمال السودان. عُرف حمزة آنذاك بـ"الصندوق السري" لجهاز الأمن الشعبي، وصاحب الكلمة الفصل في بقاء أي مسؤول أو إقصائه من الولاية خاصة الضباط الاداريين. ويُقال إن أصوله تعود إلى شمال السودان، لكنه وُلد في أطراف النيل الأزرق، وترعرع في الهاشماب، وهو متزوج من عائلة ذات أصول إغريقية. وتاريخ السودان مليء بأمثال هؤلاء الذين مارسوا التمييز وانتهكوا حقوق الإنسان، وغالبًا ما جاءوا من البيئات ذاتها التي أنجبت هذا النمط من السلطة. بعد انقلاب 25 أكتوبر، جاء حمزة إلى منصب والي الخرطوم بقرار من الانقلابيين، لضمان عودة الفلول، وأشرف بنفسه على إعادة كل من فككتهم لجنة إزالة التمكين. وما إن استقر في موقعه، حتى بدأ في إعادة إنتاج سياساته الإقصائية، فشنّ حملة لإزالة الأحياء والأسواق، مستعينًا بمديرين تنفيذيي...

الإسلاميون في السودان: قوة حقيقية أم وهم سياسي؟

 الإسلاميون في السودان: قوة حقيقية أم وهم سياسي؟ تُثار دائمًا تساؤلات حول ما إذا كان الإسلاميون في السودان يمثلون قوة سياسية واجتماعية متجذرة، أم أن حضورهم ارتبط فقط بالاستفادة من مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية. تتطلب الإجابة العودة إلى جذور الحركة الإسلامية السودانية، وتتبع مسارها التاريخي لفهم طبيعة نفوذها وحدود قوتها. دخلت الأفكار الإسلامية الحركية إلى السودان في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين عبر بعض الطلاب السودانيين الذين درسوا في مصر وتأثروا بفكر جماعة الإخوان المسلمين. ومع قيام ثورة أكتوبر 1964، برزت "جبهة الميثاق الإسلامي" كأول إطار سياسي معلن للإخوان، لكنها ظلت محدودة التأثير مقارنة بالأحزاب الطائفية الكبرى كالأمة والاتحادي الديمقراطي، إضافة إلى الحزب الشيوعي السوداني. في السبعينيات، عملت الحركة بقيادة حسن الترابي على تطوير تنظيمها عبر استلهام نموذج الأحزاب العقائدية، خاصة اليسارية منها، فاعتمدت على العمل الطلابي، ونجحت في التغلغل وسط الجامعات والنقابات المهنية. هذا النهج منحها قاعدة من الكوادر المثقفة، لكنه ظل محدودًا جماهيريا. انظر كتاب التراب...

السودان الجديد... من نيالا تبدأ الحكاية

 السودان الجديد... من نيالا تبدأ الحكاية في الخامس عشر من أبريل، حين أشعلت جماعة الكيزان حربها العبثية، كانت تظن بخيالها المريض والقاصر أنها قادرة على دفن الثورة والعودة إلى سطوتها القديمة، لتعيد إنتاج ذات النهج الذي خبر السودانيون ويلاته من قتل وتشريد واغتصاب وقمع للحريات. غير أنّ حساباتهم سرعان ما تهاوت أمام صمود شعبٍ ثائر ظلّت جذوة ثورته متقدة في القلوب، عصية على الانطفاء. لقد جاءت ثورة ديسمبر لتقطع مع ماضي السودان إلى غير رجعة، ولتفتح أفقاً جديداً لبناء وطن ينهض على قيم الحرية والعدالة والمساواة. ومن نيالا البحير ارتفع الهتاف الصادق، ممتزجاً بالدموع، إيذاناً بميلاد السودان الجديد . هناك، في مشهد مهيب، خرجت الجماهير لتعلن انتماءها لوطن طالما حُرمت من أبسط حقوقه، ولتؤكد أن الأمل ممكن، وأن الحلم جدير بأن يتحقق بسواعد أبناء الشعب وتضحياتهم. لقد فشل الانقلابيون والمختطفون في العودة، وباتت أوهامهم تتلاشى تحت وقع إرادة الجماهير. والتاريخ سيكتب أن من زرع الفتن ومارس البطش مضى إلى مزبلته، بينما يبقى أثر من زرعوا الخير والوعي والرجاء. ولئن سخروا من حكومة الوحدة والسلام، ونعَتوها بحكومة ...

الوحدة أو التمزق: معركتنا مع حكومة بورتسودان

 الوحدة أو التمزق: معركتنا مع حكومة بورتسودان منذ الاستقلال ظلّت النخب السودانية تهرب من مواجهة الأسئلة التأسيسية الكبرى: كيف يُحكم السودان؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة بعدالة؟ فكانت النتيجة استمرار الأزمة وتكرارها بأشكال مختلفة حتى أصبحت وحدة البلاد نفسها مهددة. اليوم، يطلّ علينا شبح الانقسام عبر حكومة بورتسودان، التي فرضت نفسها كأمر واقع، بينما هي في حقيقتها مشروع تفكيك للوطن وتمزيق لنسيجه. هذه الحكومة لا تمثل السودانيين ولا تستند إلى أي شرعية، بل عميلة لاجندات خارجية تقوم على القوة العسكرية وانتاج خطاب الكراهية واحتضانه له و التفرقة العنصرية ( قانون الوجوه الغريبة منع الشعوب السودانية حقوقهم بشكل عنصري) ، وفتح الباب واسعًا أمام العنصريين والمتطرفين ليعملوا على إشعال نار الفتنة. حكومة كهذه لا تُدار بعقل الدولة وإنما بعقل العصابة، ولا تسعى إلا لشرعنة نفسها على حساب وحدة السودان. لذلك فإن أي دعوة للحوار معها او التقارب ليست إلا انحيازًا لمشروع الانقسام. ومع الأسف، نرى اليوم أن تحالف صمود يطرح خيار الحياد في ظل هذا الوضع ومع هذه الحكومة بحجة تجنب مزيد من التدهور. لكن الحقيقة أن ...

شيراز ليست إلا رأس الأزمة

 شيراز ليست إلا رأس الأزمة كلنا شاهدنا ما قامت به الرائد شيراز، حين سكبت "المريسة" وأهانت البسطاء، في حملة ادّعت أنها ضد "الظواهر السالبة". لكن لنعُد خطوة إلى الوراء ونسأل أنفسنا: ما المقصود فعلاً بالظواهر السالبة؟ الظواهر السالبة، كما حددها القرار الصادر من القائد العام لقوات الدعم السريع، تتعلق بتصرفات بعض عناصر القوات غير المنضبطين، من اعتداء على المواطنين، وسرقة، ونهب، وتهديد، واستغلال للسلطة. وهي جرائم موجهة ضد كرامة الإنسان السوداني، وكان الهدف من اللجنة هو محاربتها داخل المؤسسة. لكن ما فعلته الرائد شيراز، للأسف، لا يمت بصلة لهذا الهدف. بل هو استعراض فوضوي للسلطة، وتحويل الحملة إلى مسرحية إذلال، لا إصلاح. والأسوأ من ذلك، أن ما بدر منها يُعيد إلى الأذهان عقلية الكيزان السلطوية التي كانت تمارس العنف على الفقراء والمهمشين باسم النظام، وباسم الأخلاق، وباسم القانون. هذه العقلية لم تندثر. إنها تتسلل إلينا، تُعيد إنتاج نفسها بيننا، وتتموضع في بعض من يلبسون زي التغيير، بينما يمارسون سلوك النظام البائد ذاته. لذلك فإن معركتنا ضد "الفلول" لا تنتهي بمطاردتهم أو ...

الخاسر: تحالفات عسكرية في ظل أزمات اقتصادية

 **الرهان الخاسر: تحالفات عسكرية في ظل أزمات اقتصادية** تواجه الحرب الدائرة في السودان تطورات جديدة مع سعي مايسمى بالجيش السوداني، بقيادة الجنرال الهارب  عبد الفتاح البرهان، لتأمين حلفاء دوليين لدعمه في صراعه مع قوات الدعم السريع. وعلى الرغم من المحاولات المتكررة للحوار والتفاوض، إلا أن الجيش السوداني يصر على مواصلة القتال، مما دفع به إلى البحث عن حلفاء. وفي هذا السياق، لجأ الجيش السوداني إلى روسيا وإيران، اللتين تواجهان بدورهما تحديات اقتصادية وسياسية كبيرة. فروسيا منشغلة بحربها في أوكرانيا والعقوبات الدولية المفروضة عليها، مما أضعف اقتصادها وأثر على قدرتها على التدخل في صراعات أخرى.  ، حذرت مجموعة من الاقتصاديين والمسؤولين من أن الاقتصاد الروسي قد يتجه نحو الركود التضخمي، وهو وضع تتزايد فيه الأسعار بسرعة من دون تحقيق نمو اقتصادي  أما إيران، فتواجه عقوبات اقتصادية خانقة وأزمة داخلية، مما يحد من قدرتها على تقديم الدعم المطلوب. وحذر العديد من الاقتصاديين الإيرانيين  من أن موازنة عام 2025 سترتبط بعواقب تضخمية وانكماشية، وأن عجزها يمكن أن يؤدي إلى تقليص الاستثمارات...

**السودان على مفترق طرق: من له الحق في تقرير مصير الأجزاء؟**

 **السودان على مفترق طرق: من له الحق في تقرير مصير الأجزاء؟** يمر  السودان بتحولات عميقة في أعقاب سنوات من الصراع والاضطراب. ومع كل منعطف تاريخي جديد، تبرز أسئلة جوهرية حول مستقبل البلاد ووحدتها. أحد هذه الأسئلة الملحة هو: من له الحق في تقرير مصير الأجزاء المختلفة من السودان؟ لطالما عانى السودان من تحديات عميقة تعود جذورها إلى فترة الاستعمار، والتي تفاقمت بفعل سياسات حكومية التي اتت بعد المستعمر و اختطفتها  بعض من  المجموعات  الجهوية، القبلية و العرقية من شمال السودان ، أدت إلى تهميش أجزاء واسعة من البلاد، وزرعت بذور الانقسام والشكوك. وقد تجسدت تلك  في انفصال جنوب السودان عام 2011، والذي كان نتيجة حتمية لتراكم الأخطاء والسياسات الخاطئة التي اتبعتها تلك الحكومات المتعاقبة في الخرطوم. وقد أظهر هذا الانفصال بوضوح  عدم وجود مشروع وطني سوداني  يأسس بناء دولة جديدة بعد المستعمر  انما كان المشروع  الوحيد الموجود هو مشروع استغلال جهاز الدولة  للتكسب والاغتناء لورثة المستعر    اليوم، ومع استمرار الاضطرابات في السودان، برزت أصوات...

*دور الأحزاب السياسية السودانية في التصدي للتدخل المصري*

 *دور الأحزاب السياسية السودانية في التصدي للتدخل المصري*  يعد التدخل المصري في الشأن السوداني قضية معقدة ذات أبعاد تاريخية وسياسية واقتصادية متشابكة، وقد أثر بشكل كبير على مسار الأحداث في السودان، مما أدى إلى تفاقم الأزمات والصراعات الداخلية.  معروف تاريخياً، دعمت مصر الأنظمة الاستبدادية في السودان عبر المؤسسة العسكرية التي لم تعمل يوما  لحماية البلد وبل كانت هي  ، مما أدى إلى تهميش القوى السياسية المدنية الحية  وإفشال جميع مراحل الانتقال التي تلت الثورات العظيمة التي أشعلت شرارتها قوى التغيير السودانية.  وهذه لا تحتاج لادلة   هي واضحة وضوح الشمس واخر تدخلاتها  ودعمها للانقلاب ٢٥ أكتوبر كما قامت مصر بتدخلات عسكرية مباشرة في السودان في بعض الفترات، مثل ضرب المعارضة في الجزيرة أبا، واستمرار هذه التدخلات في الحرب الجارية حالياً واحتلال أراضٍ سودانية حلايب وشلاتين ، ما زاد من تعقيد الأوضاع. بالإضافة إلى ذلك، استخدمت مصر وسائل الإعلام والعملاء الإعلاميين للتأثير على الرأي العام السوداني وتوجيه الأحداث بما يخدم مصالحها، ودعمت واستقطبت قيادات ...

*العلاقات السودانية المصرية في ضوء الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع*

 *العلاقات السودانية المصرية في ضوء الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع* يشكل الخطاب الأخير لقائد قوات الدعم السريع نقطة تحول في النقاش العام حول العلاقات السودانية المصرية. فقد طرح القائد قضايا حساسة والمهمة  حول التدخل المصري في الشأن السوداني، وتأثير هذه التدخلات على الاستقرار في البلاد. هذا الخطاب يستدعي تحليلاً دقيقاً للوضع الراهن، وتأصيلاً تاريخياً للعلاقات بين البلدين، لفهم أبعاد هذه القضية المعقدة.  إن التنوع الكبير في البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للسودان، مقارنة بوحدة النسيج المصري. هذه الحقيقة تجعل من الصعب تطبيق نموذج واحد للعلاقات مع كل مكونات الشعب السوداني. وان مصر تدخل السافر في الشأن السوداني، ودعمها لأطراف محددة في الصراع وذلك بتعزيز هيمنة المؤسسة العسكرية التي يعتبرها، مما زاد من حدة التوترات بين مكونات المجتمع السوداني وبث فيه خطابات العنصرية والكراهية  وأضر بالاستقرار وهدد وحدة السودان  قد يؤدي إلى تفكك السودان، وظهور كيانات متعددة في الشريط النيلي، مما يعقد إدارة ملف المياه ويضع مصر في مواجهة تحديات جديدة.  تطلعات الشعب الس...